الأحد 18 محرم 1378 و.ر 3 من شهر أى النار 2010 ف العدد 5078
تقاریر
من صدمة الانهيار الكبير إلى الإنعاش الأخير
النظام الرأسمالي العالمي .. هل يكتب له النجاة؟!
منذ بداية التسعينيات في القرن الماضي، بدأت تحتدم أزمة دورية خانقة، أمسكت بالمفاصل الرئيسة للنظام الرأسمالي المتعولم.
بالرغم من المحاولات المستميتة التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية زعيمة عصر العولمة ومعها تسع عشرة دولة أخرى من عمالقة الرأسمالية للتخفيف من حدة الأزمة ورأب الصدع الخطير الذي أصاب النظام، أو حتى تفادي تداعياتها ونتائجها الكارثية التي أصبحت تطوق البشر هذه الأيام.
ومما يلفت أنظار الباحثين والمعنيين بالشأن الاقتصادي أن الأزمة التي يمر بها العالم، هي أزمة مزدوجة، فهي أزمة دورية تساوقت معها وعمقتها بل وزلزلتها أزمة بنيوية كبيرة أصابت أهم آليات النظام الرأسمالي العالمي: المصارف ـ شركات التأمين ـ شركات الإنتاج الصناعي الكبرى، ومعها القطاع الثالث الاقتصادي وهو قطاع الخدمات الذي أطلق عليه زورا وبهتانا مجمع ما بعد الصناعة.
وليس من شك في أن أول من أصابتهم الأزمة الاقتصادية العالمية في مقتل هم الطبقات الكادحة على المستوى العالمي وشعوب الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية على وجه الخصوص ونقدم فيما يلي حزمة من مظاهر هذه الأزمة التي تطوق العالم لأكثر من عقدين.
استمرار التدهور في معدلات الربح وتدني معدلات النمو الإنتاجي
شكل الانخفاض الحاد في أرباح الشركات والاحتكارات العملاقة، وتحول هذا الانخفاض إلى خسارة صافية، بمعنى تدهور هائل في كمية الربح وليس في معدلاته فقط، وبسبب تحكم الاحتكارات في عملية تكوين وتراكم رأس المال على الصعيد الدولي، انخفضت معدلات نمو الإنتاجية وبالتالي عملية التجديد لرأس المال الثابت ـ بالرغم من الضجيج الهائل طوال الثورتين العلمية والتكنولوجية وأخيرا الثورة المعلوماتية.
تمركز رأس المال وتعاظمت عملية انتشار الشركات والبنوك متعددة الجنسية
اتسم النظام الرأسمالي العالمي المعاصر بظاهرة العولمة بتجلياتها المختلفة وخاصة منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، ومن أهمها تمركز رأس المال على نطاق دولي، ويتجلى ذلك إذا القينا نظرة على المصارف الكبرى العالمية، فسنجد أن قيمة موجودات أكبر 200 مصرف تجاري عالمي تساوي قيمة مجموع احتياطات النقد الأجنبي في العالم كله بما فيه صندوق النقد الدولي ومن بين هذه المصارف 50 مصرفا عملاقا تغطي قيمة موجوداتها 4/3 قيمة الناتج السنوي غير المادي للبشرية تنتمي هذه المصارف الخمسون إلى الدول الآتية: الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، بريطانيا، سويسرا، إيطاليا، فرنسا، هولندا، ألمانيا، اليابان.. وتسيطر هذه المصارف على رأس المال في العالم وهكذا يتضح لماذا كان إفلاس أكثر من 100 مصرف في الولايات المتحدة الأمريكية يعني خلق أزمة اقتصادية مالية على المستوى العالمي.
أما بالنسبة للشركات الاحتكارية الكبرى العالمية فيتجلى وضعها في الموجات المتلاحقة من الاندماجات والاستيلاءات المترافقة مع موجات من الافلاسات، استطاعت الحيتان الكبيرة ابتلاع الحيتان والأسماك الأقل شأنا منها مثل: النمور الأربعة في جنوب شرق آسيا في أواخر التسعينيات.
وقد أدت تلك العملية إلى أن تمتلك 350 شركة عملاقة متعددة الجنسية تمتلك 2/1 قيمة الأصول الإنتاجية التي تمتلكها مجموع الشركات المتعددة الجنسية والبالغ عددها 30,0000 على المستوى العالمي. إن خمسة احتكارات عملاقة فقط تمتلك 15.5% من مجموع قيمة الأصول الإنتاجية للشركات الـ 37 ألف.
هذه هي صورة الإمبريالية المتوحشة التي تسبح بحمدها وتدعو لها صباح مساء أجهزة الإعلام الأمريكية والغربية وتوابعها في دول العالم النامي، فيما يسمى بسياسة مدرسة النقوديين أو الليبراليين الجديدة. لقد جعلت تلك المدرسة 6000 فرد من أباطرة المال في العالم يتحكمون في أرزاق وأرواح ومستقبل 6000 مليون من البشر. تلك هي العولمة في أبشع صورها، وهذا هو الاستقطاب العالمي وهذه هي الأزمة الخانقة والميئوس منها على المستوى العالمي.
تعاظم حركة تصدير رأس المال إلى الخارج
لقد صار تصدير رؤوس الأموال إلى بلدان خارج بلدانها الأصلية، إحدى القنوات الرئيسة التي شقت طريقها خلال عمليات تدويل وتداول رأس المال والإنتاج وتجري هذه العملية وفقا لأربعة مجاري رئيسة:
توظيف رؤوس أموال الشركات المتعددة الجنسية عبر التوكيلات والمشاركة الكومبرادورية من رجال الأعمال في الدول النامية.
الفروض التي تمولها المصارف الدولية على شكل تسهيلات ائتمانية لدول العالم.
القروض التي تمولها المصارف الدولية على شكل تسهيلات ائتمانية لاحتكارات ومستثمرين في بلاد أخرى.
قيام مستثمرين ومضاربين بإيداع رؤوس أموالهم في مصارف دولية خارج أوطانهم، خوفا من التأميم أو المصادرة أو حدوث انقلابات أو ثورات شعبية في بلدانهم مما يعرض ثرواتهم للخطر هذا بالإضافة إلى تهربهم من الضرائب العالية التي تفرضها بلدانهم أو الجري وراء الأسواق الأكثر ربحية... الخ.
تكثيف النهب الإمبريالي للبلدان النامية والإفقار المطلق لشعوب أفريقيا وآسيا والجنوب بصفة عامة
حيث قامت الامبراطوريتان الإنجليزية والفرنسية بسحب قواتهما المسلحة من دول الجنوب وقام المطبلون والمزمرون بقرع الدفوف وإطلاق المزامير بأن الاستعمار قد انتهى من العالم، غير مدركين أن الاستعمار ليس قوات مسلحة فقط ولكنه نظام كامل: أيديولوجي وثقافي وعسكري واقتصادي واجتماعي، وأن عملية سحب الجيوش لا تشكل إلا آلية واحدة من آليات السيطرة والتحكم في البلد المستعمر. حقيقة خرج المستعمر من الباب ليعود من الشباك أشد قوة وصرامة وصلابة في التعامل مع البلد الذي خرجت قواته المسلحة منه، فنظامه الرأسمالي الاقتصادي وسياسته وهيكله التعليمي واللغوي والثقافي هو السائد والنظم القانونية والتشريعية هي السائدة بل حتى لباسه وطعامه وعلاقاته الاجتماعية يتمسك بحرفيتها في المجتمع مع حكام ونخب ورجال أعمال في البلد المستعمر.
وبالنسبة للاقتصاد فقد أدى ويؤدي إلى تدويل وتركيز الإنتاج وتمركز رأس المال مما أدى إلى تكثيف النهب الإمبريالي للبلدان النامية، ودمجها بالكامل في السوق الرأسمالية العالمية تحت هيمنة الشركات متعددة الجنسية وقد أدى ذلك إلى وجود أنظمة رأسمالية مشوهة في الدول النامية وتعمق تبعاَ لذلك التفاوت بين دول المركز والدول الأطراف وفي داخل طبقتين: طبقة الحكام وأصحاب الأراضي والمصانع والأموال وهم رجال وسيدات الأعمال، وطبقة واسعة من الجماهير التي يعيش أغلبها تحت خطر الفقر، وتلفها الأمية والبطالة وتفتك بها الأمراض ولا تقيم في أي مسكن صحي... الخ.
وتقرر البيانات الدولية أن الدول النامية قد وقفت بين فكي الآلة الجهنمية للرأسمالية ممثلة في المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقية التجارة الحرة وذلك بأن وكلت الدول والشركات والمصارف متعددة الجنسية والمصرف الدولي وصندوق النقد الدولي كآلية لتحصيل الديون المتراكمة على الدول النامية مما أدى بالمؤسستين الدوليتين بوضع خطة «برنامج التثبيت والتكييف الهيكلي» لاقتصاديات الدول المدينة حتى يتم تقليص ميزانيات الخدمات فيها وتحويلها إلى أدوات لتجميع الفائض وتسليمه إلى الاحتكارات الكبرى على شكل أقساط ديونها وفوائدها مع توجيه اقتصاديات البلدان النامية إلى التصدير بأبخس الأثمان وبذلك يتم سحب وتقسيط الفائض المالي للبلدان النامية أولا بأول.
التحـــولات البنيــويـــة النــاجمـــة عــن الثورة التكنولوجية
شكل اختراع المحرك الاحتراقي والطاقة النفطية والكهربائية المرحلة الأولى من الثورة الصناعية التكنولوجية، ثم شكلت قوة الدفع الصاروخي والمحرك النفاث والطاقة النووية والرادار ثورة تكنولوجية ثانية إلى أن جاء التطوير والابتكار في مجال الالكترونات والطاقة النووية واختراع الحاسوب واستخدامات الليزر والهندسة الوراثية والرقائق الالكترونية لتشكل في مجموعها معالم الثورة المعلوماتية الثالثة، أدى هذا إلى التطور السريع في مجال الكيمياء الحيوية والهندسة الوراثية مما أثر على بنية الزراعة وتربية الحيوان وإنتاجه واستنساخه.
ومن المشاهد أن هذه الابتكارات احتكرتها ديناصورات النظام الرأسمالي العالمي، وسخروا انتاجها لتعظيم أرباحهم التجارية الفلكية، بدلا من استخدامها لسد متطلبات تطوير المجتمعات البشرية وإشباع حاجاتها بل من المثير للسخرية أنهم خصصوا أغلبها لتطوير وتحديث الأسلحة المتطورة والحديثة والنووية وأسلحة الدمار الشامل ويستخدمونها لشن حروب إبادة على الدول والمجتمعات الصغيرة العزلاء والآمنة ـ غزة وجنوب لبنان كمثال..
نمو قطـاع الخدمـات والتراجـع النسبي في قطاع الإنتاج
يكثر الحديث التنظيري حول الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية باعتبارها المسؤولة عن نمو قطاع الخدمات، فيما يطلق عليه «حضارة القطاع الثالث» أو «مجتمع ما بعد الصناعة»، وأن هذه الثورات ستبطل الصراع الطبقي على المستوى العالمي فقط ولكن على مستوى الدولة كذلك إلا أن الواقع الدولي والقطري المعاش، يبين كيف أدت تلك الثورات إلى عملقة النظام الاقتصادي الطفيلي غير الإنتاجي «صناعة الأسلحة، السباحة، البناء.. الخ على حساب القطاعين الإنتاجيين» «الصناعي والزراعي» وذلك بسبب هيمنة الاحتكارات العالمية وتجييرها نتائج التطور العلمي والتقني والمعلوماتي لمصلحتها النائية ومراكمة أرباحها ورساميلها، وعلى حساب معيشة الستة آلاف مليون من البشر وحاجتهم للسلع الغذائية والملبس والعلاج ومختلف حاجاتهم المعيشية الأساسية.
الطبقة العاملة والفئات الوسطى
يعمل منظرو النظام الرأسمالي في عصر العولمة على إشاعة المفاهيم والتكهنات بأن الطبقة العاملة سائرة إلى زوال، بفضل الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية وأنها أصبحت تشكل مستخدمي المكاتب والعاملين في التجارة والخدمات، وأنهم يكسبون دخولهم بفضل ذكائهم ومستواهم التعليمي وعملهم الذهني ولاشك أن هؤلاء المنظرين يتجاهلون القاعدة العلمية في تصنيف الطبقات الاجتماعية على أساس موقع كل طبقة في عملية الإنتاج بمختلف قطاعاته، وعلاقة كل طبقة بوسائل الإنتاج في نطاق نمط إنتاج معين.
إن النتائج الرئيسية للتطور العملي والتقني على الطبقات الاجتماعية المختلفة تتمثل فيما يلي:
إن تقلص الحاجة للعمل في الصناعة بسبب إغلاق المصانع وإعلان خسارة أصحابها، دفع العمال للعمل في القطاع الخدمي والمالي والتجاري، وقد أدى هذا إلى نمو متسارع لجيش العاطلين عن العمل ويكفي ما أعلنته الإدارة الأمريكية هذه الأيام بأن نسبة البطالة في الولايات المتحدة قد وصلت إلى 10,5% من تعداد السكان.
ظاهرة النمو النسبي لعمال ومستخدمي المكاتب، مقارنة مع العمال المستخدمين مباشرة في الإنتاج الصناعي والإنتاج الزراعي، وهذا يؤثر بالطبع على كمية المنتجات والسلع الصناعية والزراعية والحيوانية التي يحتاجها المجتمع.
إنه من الثابت علميا أنه حين يتم العمل على المستوى العالمي بتطبيق سياسات التنمية المستدامة للخروج من مأزق الاختناق والأزمة الرأسمالية الطاحنة حاليا، فإن عمال الصناعة والزراعة وبجانبهم عمال الخدمات والتجارة ستتزايد أعدادهم زيادات ملحوظة لم تكن متوقعة، وهذا يدحض دعايات وآراء منظري مدرسة الليبرالية الحديثة ومدرسة النقوديين في شكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
تراجع وتأثر النمو ونسب التشغيل في الطاقة الإنتاجية واستمرار نمو التضخم
إن التراجع المضطرد في معدلات تشغيل الطاقة الإنتاجية ـ الأيدي العاملة ـ أدى إلى بروزها كظاهرة مزمنة في النظام الرأسمالي العالمي، وخاصة بعد ولوج عصر الليبرالية الجديدة بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أدى هذا الوضع إلى استمرار معدلات التضخم في تصاعدها، رغم المحاولات المحمومة للحد منها ولعل نظرة سريعة للقيم الحقيقية للعملات في الدول النامية والتدهور الشديد الذي وصلت إليه قيمتها، هو خير مؤشر على ذلك، وهذا بالقطع من أحد الأسباب لظهور سياسة الإفقار التي تشكو منها غالبية شعوب الدول النامية.
تحول البطالة إلى ظاهرة مزمنة وتصاعد معدلاتها
في ظل هيمنة الاحتكارات متعددة الجنسية على الاقتصاد الرأسمالي العالمي في شقيه الإنتاجي والمالي، ومع وجود فائض سكاني نسبي تراجع القطاع الإنتاجي، تحول هذا الفائض السكاني إلى فائض مزمن ودائم وتوازي ذلك مع سياسة الطرد الجماعي الذي يتعرض له العمال خلال العقود الثلاثة الماضية. إن البطالة أصبحت ظاهرة عالمية طالت كل دول العالم بلا استثناء.
عجـز النظام الرأسمالي عن تقديم الحلول لمشاكله
بعد استكمال هيمنة الاحتكارات متعددة الجنسية على أسواقها القومية، ثم اتساع هيمنتها على السوق الرأسمالية العالمية تعملقت تلك الاحتكارات وأصبحت أكثر من الدولة باهتماماتها ومصالحها وصارت تتطلب أن تتنحى الدولة جانبا وأن تكف عن التدخل للجم مفعول قوانين المنافسة الاحتكارية هكذا ظهرت المدرسة الليبرالية الجديدة أو مدرسة النقوديين أكثر تطرف وضحالة وازدواجية في المعايير، وصبت نقدها على تدخل الدولة باعتبار أنها تعرقل عمل آليات الاقتصاد الحر، ومع ذلك فها نحن نسمع ونرى كل يوم منذ الإعلان عن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية كيف أن الجميع يطالب بتدخل الدولة ودفعها للعمل لمساندة المصارف والشركات التي تنهار وتعلن إفلاسها لتحصل على الدعم من ناتج كدح العاملين ومدخراتهم حتى لا ينهار النظام الاقتصادي الرأسمالي برمته هكذا نادى ساركوزي ـ فرنسا، وأوباما ـ أمريكا، وبراون ـ إنجلترا، والحبل على الجرار.
وتعمد الشركات والمصارف متعددة الجنسية إلى تعزيز قبضتها على السوق وإطلاق حريتها في ابتلاع بعضها البعض، هذا في الوقت الذي يقوم فيه المصرف الدولي وصندوق النقد الدولي بتقديم نصائحه للدول المدينة في العالم النامي على شكل رزمة من السياسات تحت عنوان «سياسة التثبيت والتكييف الهيكلي» وحث الدول المدينة على إتباعها من أجل معالجة أزماتها المالية والتمكن من تنفيذ سياسات تنموية صالحة لمجتمعاتها وفق الإجراءات التالية:
حفز الاستثمار من خلال تشجيع المستثمرين من خارج أو داخل البلد المدين.
توفير الضمانات والحرية المطلقة للمستثمرين وهذا يضمن لها الخروج من البلد المدين بعد حصولها على رؤوس أموالها وأرباحها الفلكية لوجود أسواق أخرى أكثر ربحا من الأولى.
تأمين الأموال اللازمة عن طريق الدعم الحكومي وزيادة الإعانات وخفض الضرائب على الأرباح والثروة والأملاك ورأس المال.
خفض الإنفاق الحكومي على الجهاز الإداري والمجالات الخدمية كالتعليم والصحة والإسكان بالرغم من عدم التطرق بالتخفيض لنفقات القوات المسلحة والشرطة والأمن الداخلي.
تعزيز قبضة الشركات متعددة الجنسية والمصارف على السوق وإطلاق حريتها لابتلاع بعضها البعض ولجرف وتقشيط أكبر كمية من ناتج البلد الذي يستثمرون فيه أموالهم.
استمرار تفاقم التفاوت في توزيع الدخل
أدت وتؤدي السياسات الرأسمالية المعولمة إلى تفاقم التفاوت في توزيع الدخل الوطني بين شرائح المجتمع في غالبية دول العالم غنيها وفقيرها على السواء، واستفحلت عملية الاحتواء السياسي والاقتصادي والثقافي التي تستهدف إعادة الخارطة الاجتماعية الطبقية للبلدان النامية على وجه الخصوص، وإعادة تشكيل مجتمعات مهيمن عليها تقوم باستيراد السلع ومنظومات القيم السياسية والفكرية والأخلاقية والسلوكية حتى لا تضمن الدول المهيمنة عدم الانكشاف حقيقتها أمام شعوب البلدان النامية كسارقة لخبزها والمسؤولة عن تدهور أوضاع أبنائها الصحية والتعليمية وفرص العمل المتاحة أمامها، والمفروض عليها التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
إن برامج التكييف الهيكلي التي يفرضها صندوق النقد الدولي على الدول المدينة قد أثرت سلبا على دور الدول، وأعادت ترتيب وظائفها، وأضعفت قدراتها على التدخل في الشأن الاقتصادي عبر الخصخصة وتصفية قطاع الدولة، وتحرير التجارة الخارجية وسعر الصرف للعملات الأجنبية والوطنية، وإلغاء القيود على حركة النقد الأجنبي، وإخضاع حركة أسعار السلع الأساسية لآليات السوق الذي تتحكم فيه النخب الكومبرادورية ووكلاء الشركات الأجنبية وقد أتاح هذا تضخما متزايدا في دور الدولة القمعي موضوعياَ وواقعيا، رغم كثرة الكلام عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والتكامل بين الليبرالية السياسية والاقتصادية والتعددية الحزبية، بحيث صار الكلام عنها لغوا وتضليلا أمام الوقائع المادية التي تحياها الجماهير والمثال «مصر».
وهكذا نستخلص مما قدمناه، أن أزمة النظام الرأسمالي العالمي في عصر العولمة الراهنة والخانقة؛ إنما هي محصلة لسنوات طويلة وتراكمات هائلة من الأخطاء والخطايا وحتى تكتمل الصورة التي عليها النظام الرأسمالي العالمي وما جلبه من كوارث تعاني منها البشرية. إن الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية ليست عابرة أو مؤقتة، أو يمكن أن تحلها اجتماعات قمم العشرين من الدول الصناعية الكبرى والدول الأكثر مدخرات في رأس المال الأجنبي. إن النظام الاقتصادي والسياسي الذي تقوده أمريكا وتستخدمه في الحروب المدمرة والوحشية ضد البلدان العربية والإسلامية وخاصة في فلسطين عن طريق ربيبتها دولة الكيان الصهيوني والعراق وأفغانستان والباكستان والصومال، والعشرات من الحروب ضد الدول الصغيرة والفقيرة على اتساع قارات العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد كلفت الخزانة الأمريكية مليارات الدولارات والتي لم تعد على الشعب الأمريكي إلا بالخراب ونضوب الموارد وانكشاف الدولار والتلاعب بأموال المودعين من داخل وخارج الولايات المتحدة الأمريكية وهو ما كشف النظام الرأسمالي العالمي أمام شعوب العالم وحكوماتها على السواء، ومن الغريب أن يعلن كبار المتخصصين في الشأن الاقتصادي على المستوى العالمي. أن الأزمة الاقتصادية والمالية الحالية قد أهدرت أكثر من تريليون دولار «مليون المليون» في محرقة العولمة الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي يقترفها قطب النظام العالمي الجديد بعد انتهاء الحرب الباردة في أوائل تسعينيات القرن العشرين.
ويكفي أن نقدم للقارئ عددا من الإحصاءات الرقمية التي أعلنتها المؤسسات الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة حول الأزمة الاقتصادية الرأسمالية الحالية:
ـ 1300 مليون مواطن يعيشون تحت خط الفقر أقل من 2 دولار في اليوم.
ـ 12000 مليون مواطن أميون لم يدخلوا مدارس أو لم يعرفوا القراءة الكتابة.
ـ 1,200 مليون مواطن يعيشون بلا مأوى.
ـ 1,100 مليون مواطن يعيشون في بطالة دائمة.
ـ 1,800 مليون مواطن لا يتحصلون على الرعاية الصحية
تلك هي صورة الأزمة الحقيقية التي أحدثتها وماتزال الرأسمالية العالمية وهي في نفس الوقت مرآة للبؤس الذي تعيشه الشعوب الفقيرة في مواجهة حفنة من المليونيرات وإنتاج 6000 مليون من البشر الكادحين إنهم القلة التي تعيش حياة الإفلاس الأخلاقي والديني والوطني والإنساني، الذين لا هم لهم إلا الأرقام الخاصة بثرواتهم الفلكية ولو على حساب حياة مئات الملايين من إخوانهم في الإنسانية.
وفي هذا المجال نستذكر كلمات الأخ قائد الثورة أمام قيادات الأدباء والكتّاب العرب في ختام مؤتمرهم بسرت ـ الجماهيرية حيث طرح فكرة تجمع الكادحين في دول العالم النامي على هيئة مؤتمرات ولجان شعبية مما سيعجل بسقوط حكومات الدول التابعة والذليلة.
إن ما وصلت إليه البشرية من تقدم حضاري في مختلف الميادين، ما هو إلا ثمرة عملها وناتج إبداعها وكفاحها على مدار القوى الظلامية والتي تعمل ضد حركة التاريخ من نخب إقطاعية ورأسمالية شرهة لكل ما في أيدي الغير، ويعملون صباح مساء ودون كلل لسرقة ثمرات إنتاج الشعوب الكادحة والاستحواذ على ممتلكاتها وخاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهكذا فإن توحد قوى حركات التحرر والديمقراطية وحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني ومعهم المثقفون والكتّاب الملتزمون بقضايا شعوبهم والمفكرون والأكاديميون ليقوموا بالدراسة والتعرف على أفضل وأنجح الطرق لتوحيد دولهم في مواجهة حلف العدوان والحروب الذي يقوده قادة الدول الإمبريالية والرأسمالية الكبرى في العالم «حلف الناتو» وساعتها سيكون للحلف الجديد «الساتو « القوة والقدرة على حماية ثروات القارات الثلاث والمقدرة على تنفيذ سياسات تنموية شاملة تشمل جميع دول الجنوب، وستكون العدالة الاجتماعية هي القاعدة التي توزع على أساسها ثمرات عرق آلاف الملايين من البشر، وساعتها فقط لن يكون هنا جائع ولا فقير ولا مريض لا يجد ماء أو مشرد لا يجد سكنا يستظل تحت سقفه. إنها ليست أحلام يقظة ولكن كما قلنا الطريق يبدأ بخطوة وأول الغيث قطرة والمهم إرادة الحياة هي التي ستدفعنا لعمل المعجزات لتذوق ثمراتها بدلا من أن يسرقها غيرنا.
بعد عام من العدوان الاسرائيلي على غزة
استهتار الدول الغنيَّة في قمة الجياع
من يلوث الأرض ... من يدمر المناخ ؟ !
أجنة مشوهة تروي تفاصيل الجريمة كاملة
الجـدار ونبوءة الهدم الحرب العالمية الثانية ازهقت زهاء 70 مليون نفس بشرية
الأخبار سياسة تقارير متابعات لقاءات تحقيقات المعلوماتي الإقتصادي الإجتماعي الثقافي التعليمي البيئة الصحة فنوان وأبداع إستطلاعات لقاء الإربعاء شمس اليقين رياضة أخيرةمواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الأحد 03/01/2010
13:15 الظهر 15:54 العصر 18:16 المغرب 19:42 العشاء 06:40 فجر غداً 08:10 الشروقحالة الطقس
19 طرابلس 18 بنغازي 22 سبها 18 مصراتهجميع الحقوق محفوظة - الهيئة العامة للصحافة 2009

💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!