الإربعاء 3 محرم 1378 و.ر 8 من شهر الكانون 2010 ف العدد 5366
الثقافي
مقاطع من أدب الحرب والمعرفة الاستعمارية
(الحلقة الرابعة و الأخيرة)
* د. محمود أحمد الديك
لقد دخل الأدباء في جدل وتناقض فيما بينهم فمنهم من يمدح ويصف سحر وجمال الصحراء والواحات الجميلة بما تحتويه من نخيل ومباني ، فهذا كارلو اينريكو يقدم صورة رائعة عن مدينة غدامس وهو يتأملها من أعلى مئذنة مسجد بقوله: « .. لم تعد الممتدة الضوء القمري يلفها كلها في سائل هالة لجينية يبدو أنها تزيل عن الأشياء أي تجسم لحقيقة جامدة.... » ويستطرد قائلاً : إن الحياة كلها تكون في بهجة هذه الساعة المحبوكة ، أنطرح على الرمال الشقراء الساخنة ، وأترك نسمة خفيفة تكاد تحرك جريد النخل ترسم على جسدي أشكالاً مختلفة في تغيّر مستمر في حزم متصالبة ، تتعاقب على جلدي الأشعة الشمسية مع طراوة أشرطة الظل الشبيهة بخطوط الحمار الوحشي تتذوق الحلاوة المختلفة للتمور الناضجة ، بينما ننصت لخرير الماء البلوري يفيض من كواديس شديدة الامتلاء ، تصعد بطول أشطان البئر، وتمتلئ الواحة بأنغام موسيقية خفيفة جداً وبوشيش غامض ، كما تتواصل في أعماقه بهجة عارمة أظن أنها تنفس المخلوق . إنه سلام ضروري يتنزل بين النخل من سماء دائمة الزرقة وقد غشيتني نعمة غامرة ، نعمة من لا يطلب قط ما هو أكثر ، إنها الجنة الأرضية.
وطبيعي أن هذا ليس هو النثر الذي تطمح إليه الفاشية بعد أن زعمت أنها صارت نظرية عالمية ، وعبّر الكاتب قويدا على أن ما يكتب عن أفريقيا الإيطالية من كتاب ايطاليين هو بعيد جداً عن التحفة الفنية ، ولم ترد أو تستطيع أية صحيفة أن تشتمل على رمز ، وباستثناء القيل النادر لم تنتشر إلا التافة الضحل. كتب جويدا أتحدى أن يعثر على عمل أدبي (...) يحدثك عن شئ آخر سوى المرأة العربية الهرة الملاطفة ، والواحات والصحراء والأوزار ، والقدرية والنجوم وحب الاغتراب والحنين ، والعطور كل امرأة وكل متشردة في بنغازي وطرابلس واجدابيا ومصراتة وجالو صارت لغزاً عاطفياً معقداً . وضحت المفاسد والأماكن العامة والأكاذيب ونزيفات الأدب عن المستعمرات . واعترت قويدا انتفاضة غصب فصاح « كفى كفى »! بعد سبع عشر سنة من الدماء والإجهاد ومن الإنكار والإطراء ، ومن المعاناة صناديق الرمل ، إلى الصراخ بالجنان الأرضية الخرافية وبعد سبعة عشر سنة من استعمار متوسطي... كفى صحارى وواحات كفى احتراقاً بالرمال المشتعلة والشمس الملتهبة. كفى من سحر الليالي العربية من الإستشراق الليبي المغلوط ، ومن التعقيدات الروحية للنساء من بنات البلد . كفى من استسلام للقدرية الإسلامية ومن القدرية الأبدية ، ومرة أخرى من التسليم المطلق بالقضاء والقدر. كفى !
وقد عدنا شعباً خصيباً وسليماً أكثر خصوبة وأكثر صحة بدنية مما كنا قط كفى ذنوباً في حق الأدب الاستعماري .
وختم قويدا خطابه الطويل المزعج بعرض لأفكاره عن كيفية تغذية سحر فاشي صحيح من خلال أدب اصلاحي غير مضلل فشبان العام السابع لا يمكن ان يشحنوا بأوهام ثقافية فالمادة (الأدبية) الاستعمارية دقيقة وصعبة وثيرة ومازالت في مرحلة التشكل. ويتعين على الادب أن ينتج عملا اصلاحيا، ولكنه لن يجتذب الاجيال الجديدة نحو هذا العمل المشرف ذي المستقبل ولكنه والاثام والاستشراق والانوثة الخالدة بل يجتذب بالجمال الحق للمهمة نحمل اعباءها !!!! وبالغابات التي نريد ألوصول إليها؟؟؟؟
ومما نتج عن الاستفتاء الذي أجرته صحيفة « لاتسيوني كولونيالي » سنة 1931 للتعرف على « فكر أعلى طبقات العقلانيين المعاصرين بشأن وجود مميزات الأدب الاستعماري الذي أثار الكثير من الجدل وتناولته الألسن وخطته الأقلام في الصحافة اليومية ، واقترحت الجريدة استبياناً هذه تفاصيله : هل يوجد أدب استعماري إيطالي ؟ فإن وجد فما هي مميزاته وما هي منازعه وما حسناته وعيوبه؟ فإن لم يكن له وجود فما هي أسباب هذا القصور وما هي الوسائل المناسبة لتلافيه ؟ ما هي القصة الاستعمارية التي تستجيب أفضل من غيرها لمميزات أدب استعماري سليم وفعال من بين جميع ما نشر منها حتى الآن في ايطاليا؟.
وجاءت الإجابات إلى المجلة التي كان يديرها ماركو بوميليو قليلة الإقناع وتكشف عن اختلافات في وجهات النظر. وينكر الكثيرون دون وجود أدب استعماري. ويشك آخرون في حيويته ، والبعض لا يرى أنه ضروري والآخر بعيوبه ، والقلة تجازف بالتقدم ببعض الاقتراحات . ويقول وكرادو بافوليني بعدم وجود أدب استعماري مبرراً ، وأن كل أدب هو نتاج وجدان. وإذا لم يوجد وجدان استعماري إيطالي حقيقي فكيف نتوقع وجود أدب استعماري ايطالي؟
بينما يذهب جان باتستا أنجوليتي إلى أن الأدب الاستعماري موجود ، وإن لم يكن فواراً مزدهراً غير أن حكمه على هذا الضرب من الأدب كان بالغ السلبية، وعبر عنه بقوله : « كثبا الاستعمارية مليئة إلى آخرها بالألوان وبالشعر الزائف ذي الصرير الرومانتيكي المسيل للدموع ، العائد دائما للضرب في الموضوعات القديمة المستهلكة ، لذلك فهي تحوي أدباً غزير المادة ضعيف الروح . ويعتقد الكتاب الإيطاليون أن الأدب الاستعماري الحقيقي ، يجب أن يكون أكثر صلابة وتخشناً وأقل ترهلاً ، وينضح كله أحداثا ووقائع وهؤلاء ينادون بأدب استعماري أكثر تمثيلاً وخصوبة ويكون جديراً بالجنس الإيطالي من خلال توجهة الفاشي لبناء إمبراطورية استعمارية دائمة التوسع.
وكتب ماسيمو بونتيميلي أنه ينبغي إنتاج « كتب جيدة قابلة للشيوع تتناول الحياة في المستعمرات وتبرز ثقافة التاريخ الاستعماري لروما وللجمهوريات الإيطالية القديمة ، ويكون أدب سردي يتصل بالطموحات في بناء ممتلكات استعمارية . وهناك نمط الأدب يوصف بأنه مشيع بالشراسة الهابطة وبالعشق الرخيص ، وتسرد قصة « على طرائق الشمس » وهي قصة ( لكالو كوميريو ) وهي نموذج لهذا الإنتاج القصصي . نشرها في كتاب وصف بأنه سوقي طفيلي ، ويعد من استثناء ينطوي على خير ذي خطر ليس باليسير ، فالبطل ليس الضابط التقليدي ، بل هو عربي ليبي الأمر الذي يقلب الهيكل التقليدي المفروغ منه للقصة رأساً على عقب ، فالبطل يحب إيطاليا إنها فلافيا واستولى على طيباتها. بالطبع لم يكن ياسين عربياً عادياً إنه ابن لشيخ ، إحدى القبائل ، يتكلم لغة إيطالية متألقة ، يعرف كيف يعاشر المجتمع ، ويقود سيارة سباق ذات دوي يقطع بها أوروبا طولاً وعرضاً ، وأهم ما فيه أنه صديق إيطاليا وقد كان إلى جانبها في تاقرفت كجندي بسيط تحت إمرأة غراتسياني ومع ذلك فإنه - وإن كان الأمر يتعلق بشخصية ذات مكانة خاصة فإن كاميريو جعل التيار - ينسب إليه أيضا نفسية وثقافية رائعة ورهافة حس شاعر إلى الحد الذي جعل غزله لا يقاوم. وفي ذات يوم قطف ياسين في فندق مواجه للبحر في طرابلس « الزهرة الأعطر شذى في العالم » تم تأليف هذا الكتاب قبل التصديق على قوانين التمييز العنصري سنة 1937. ويبدو وكأن كوميريو يتحدى - تقريباـ به النظام. ويمكن أن يقال أنه في أثناء إعادة السلام إلى ليبيا ، حاول كوميريو أن يعمل على التقريب بين العنصرين ، محققا مشروع التعاون لسنة 1919. لكن خاتمة الكتاب أستقطت هذه النظرية ، فياسين لم يتزوج فلافيا الفتاة الايطالية دون أن يقدم أي تفسير مقبول ، ويعود المكلوم ليقترن بزهرة البطحاء البربرية ، المسماة « هنّية » التي انتظرته صابرة ، والنهاية الحزينة وضعت كوميريو في مأمن من أي انتقاد أو رقابة بجميع عيوبه ، وفي مقدمتها حملة من عاطفة لا تطاق فإن قصة على طرائق الشمس تضفي مقدار الحط من قدر الرجل الليبي الذي كابده منذ سنة 1911 بسبب ما أنزله به الإيطاليون فإن الكتاب لا يجوز إغفاله وهو جدير بأن يشار إليه. هكذا تم تصوير الأدب الاستعماري الإيطالي لليبيا ، وتجسيده في قصائد أدبية شعرية ونثرية في صورة تناقض بين الطابع الحماسي ، الذي يمجد العمليات العسكرية والانتقام من الأهالي بكل أدوات القتل والقمع، وبين الذي يرى في أن الوجود الايستعماري غير مجدي ، وأن ليبيا لا تستحق أن تسقط فيها قطرة دم جندي ايطالي ، فهي أرض غير مضيافة وهي مقبرة ولن تكون جنة للغزاه.
خلاصة القول ، أن كل المبرارت التي تبنتها الحملة الإيطالية على ليبيا مدى ربع قرن منذ 1911-1931 قد تكشف زيفها ليس لليبيين ولبقية شعوب العالم التي تضامنت مع حق المقاومة وشجب الأساليب القمعية التي ارتكبتها القوات العسكرية . فالإيطاليون في حقيقة أمرهم سواء إن كانوا سياسيين أم عسكريين وحتى الشعراء والأدباء توصلوا إلى قناعة أنها حملة وحرب فاشلة. لأنهم لم يستطيعوا تغيير عقلية وأفكار الليبيين حتى بعد انتهاء المعارك الحربية ، فقد ظل الليبيون جمعياً يكرهون الوجود الأيطالي الذي اغتصب الأرض وانتهك العرض ، فالتعايش معه ظل مستحيلاً رغم كل المغريات وتقديم الوجه الآخر في محاولة استرضاء الليبيين إعلامياً وتعليمياً ، لكن الهوة بين الجانبين كانت عميقة ، ولن يعيدها سوى طي الصفحات السوداء ، وقد جاءت ساعة الخلاص حين تحررت ليبيا واستعادت كل حقوقها المعنوية والمادية ، بعد تقديم الإعتذار والتعويض العادل من طرف الحكومة الإيطالية الحالية متبرئة مما فعله الاستعمار القديم اعتبارا من 30-8-2010. وهكذا بدأت العلاقات الليبية الإيطالية عهداً جديداً تتسم بحسن النوايا والعمل على بناء صفحة ناصعة من التعاون المتبادل وفق احترام خصوصية كل بلد. وهذا التقارب سيتيح فتح دور الأرشيف هنا وهناك لإعادة قراءة تاريخ المعرفة الاستعمارية وتقديمه للأجيال التي لم تكن طرفاً فيما وقع ، وفق رؤية نقدية موضوعية منصفة وعادلة لمن ظلم، حتى لا يتكرر ما حدث، وأن دور المؤرخين الجدد والشعراء والكتاب والأدباء من الجانبين يتطلب البحث في التراث والإرث الاستعماري ودراسته وتنقيته وتوضيحه بالصورة المثلي التي تخدم الشعوب وتنمية طموحاتها في التعاون المتبادل في كل مجالات المعرفة والمصلحة المشتركة.
مذكرات بوبشير
يوم (نسعدو) من شهر القصير
كتاب في جريدة .. الوليد الجديد للشمس
مذكرات بوبشير
ثلاثة من شهر المنسي الأول من عام الهجة
كل عويد ودخانه!
أدب الحرب والمعرفة الاستعمارية
(الحلقة ا لثانية)
أحمد السيفاو ذلك الشاعر الفوتوغرافي الكبير
اقتدوا بالهداية .. يهديكم الله
مذكرات بوبشير
29 من تويبع الميلود عام الهجة « قبل الميلاد بسنتين »
وأنتم الأعلون
تكريم شيخ الأدباء علي مصطفى المصراتي
وقدات
الجاحظ وأثره في الأدب العربي
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الإربعاء 08/12/2010
13:02 الظهر 15:42 العصر 18:04 المغرب 19:30 العشاء 06:28 فجر غداً 07:58 الشروقحالة الطقس
16 طرابلس 19 بنغازي 19 سبها 20 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!