رؤية في الثقافة والأدب
افكار ضد الموت(34)
(7) ما الارادة
بقلم الدكتور :المهدي مفتاح امبيرش
ج : الارادة والقوة
قد يصف البعض الارادة احيانا بالقوة واخرى بالضعف , فيقولون : فلان ارادته قوية, او ضعيفة , وما اراه ان الارادة بحكم كونها كذلك لا يمكن ان توصف بالقوة او الضعف, لاعتبارين: الاول: ان الصفة شأن عارض وخارجي , اي انه قد يوجد او قد لا يوجد , او قد يوجد ما بينه , بمعنى ان الوصف يسمح بوجود درجات , مثلما نصف بالالوان , والاحجام والاطوال وغيرها من المعايير والمقاييس , وهذه تصدق بالمقارنة مع شىء آخر , قد يتحد مع المقاس في الجنس وقد يختلف معه في العرض, اي ضرورة وجود علاقة بين الشيئين المراد وصفهما او قياسهما , وما الى ذلك, فإذا اختلف جنس المقاس , او المكيال ونحوه اختلفت اداة القياس او الوزن , او المعيار , ومن ثم يكون استخدام معيار او قياس لمختلف الجنس خطل وخلل معرفي وحكمي لا يعني سوى الجهل بموضوع القياس او المعايرة , او الوزن , وما الى ذلك , اصلا. اضافة الى ان الوصف باعتباره عارضا , كما اشرت , يكون تابعا وهو ما ينسجم تماما وقياس اللسان العربي, وهو ما يبعده عن العجمة , فتبعية الوصف للموصوف الا العكس هو حال العروبة والوضوح والبيان, لان التبعية تقتضى ذلك بداهة.
واذا كان هذا يصدق في الصفات , فأنه شأن لا يتم في الاسماء ولو لحقها ما لحق الصفات , لما اعتبرت اسماء , ومن هنا جاءت المعارف في اللسان العربي كذلك من هذا السبب, فالاسم قائم بذاته لا يحتاج من جهة هذا القيام الى صفات واعراض , فإذا ما جاءت هذه الصفات فانها تضيف الى الاسم ما يعطي دلالة لا من جهة الاسمية , بل من جهة اختلافه عن غيره من جنسه , فلو قلت تفاحة مثلا , فإن الذهن ينصرف للتفاحة , فكل ما هو من جنس التفاحة يصدق عليه هذا الاسم, اما اذا قلت انها خضراء , او حمراء , او صفراء , فان هذا اللون لا يمس الجنس , اي جنس كونها تفاحة , بل يقتصر على العرض , وهذا يضل ضروريا اذا اردنا ان نميز هذه عن تلك.
هذا هو الذي قاد الى الخلاف الفكري الكبير بين القائلين بان لله صفات , والذين يقولون بأن ما يسمى الصفة هي ذاته , فالله لا يوجد( آخر) وحاشا ان يكون, من جنسه حتى يمكن ان نضيف الصفة اليه كي نميزه, ثم ان الصفة تكون للاشياء , والله ليس كمثله شيء , ولو اردنا ان نضرب لذلك مثلا مع الفارق , فإن القول ان السيارة حمراء , او بيضاء , لا يعني ان البياض مقتصر عليها, حتى في ذاتها, مع ادراكنا لوجود اكثر من نوع من السيارات, واكثر من لون , ففي ذاتها لو فتحنا غطاء السيارة , او كشطنا جزءا من اللون لتأكد لنا ان الحمرة ليس في ذاتها , اما ما توهم البعض انها صفات الله ,يؤكد خطله إذ ان ما يقال عنه صفات هي ذاته , إذ هو الاول والآخر وهو الظاهر والباطن , هذه علاوة على ما في الوصف من تمحل وخلل.
اذا فوصف الارادة بالقوة او الضعف , لا يأتي من جهة الارادة , بل من جهة صاحبها المتعلقة به, فهو الضعيف او القوي , فالضعف اذن ليس في الارادة بل فيه , ولأن الارادة مرتبطة بموضوع الفعل , فان الضعف سينقل موضوع القول لا الى الارادة , بل الى الرغبة والامنية , فالرغبات والاماني يمكن ان توصف , باعتبارها كذلك , بزنها رغبات قوية او ضعيفة لذا فان القرآن الكريم يؤكد ان الاماني والآمال , لمجرد كونها كذلك , لا تؤدي الى تحقق الفعل , اي لا ترقى لان تكون ارادة ( ليس بأمانيكم ولا بأماني اهل الكتاب).
ان التاريخ لا تصنعه الاماني والرغبات , بل الارادات الواعية والعزم الاكيد على القيام بالفعل , ومفهوم النية في الاسلام هو من هذا الاعتبار ,( فالاعمال بالنيات) ,اي وجود القصد والنية التي هي مناط التكليف والمسؤولية , ثوابا ام عقابا, والاعمال بلا نيات تخرج الانسان من التطور الانساني وتحوله الى مجرد آلة , كما ان مجرد الرغبات والاماني دون قصد الفعل , لا تعد في النيات التي يعنيها الرسول بقوله ( انما الاعمال بالنيات , وانما لكل امرىء ما نوى).
ان عدم قدرة الانسان على القيام بالفعل مع ارادة الفعل قد يرتبط بظروف موضوعية خارج الوسع, وان كان الانسان مطالب بتذليل الصعاب كي يؤكد ذاته الانسانية , وذلك غير الاتكاء على الاهواء والاماني والرغبات ظنا انها نية, او الدخول في مرحلة التواكل, اي الاعتماد على قوة اخرى للنهوض .
ان الحال التي يمر بها العرب والمسلمون هي هذه الحال , حيث يكتفي هولاء في الاكثر بمجرد القول دون الفعل وهو اشد ما يمقته الله تعالى ( كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون) نذكر ان الذي يقول ما لايفعل اقرب بحالة الذي به مس من الشيطان ( الم تر انهم في كل واد يهيمون, وانهم يقولون ما لا يفعلون , الا الذين امنوا..).
ان الفعل التاريخي رهين بالوعي بالذات التاريخية للامة , هذا الوعي الذي يصنع الارادة , اي ارادة الفعل في الامة , والتي تتحول الى فعل للارداة,اي فعل تاريخي يتجاوز بحكم الوصف بالتاريخية محدود القائمين به, ومحدود مكانهم وزمانهم, فالفعل التاريخي الواعي ينقل الامة من مجرد رد الفعل الغريزي لحفظ النوع والبقاء , الى الفعل الانساني , اما مجرد البقاء في مرحلة اللافعل بسبب ضعف النابض الاجتماعي للامة , اي يموت حتى مجرد الاحساس الغريزي , بحيث تدخل الامة مرحلة الاموت الحكمي , وهو ما يصدق فيه قول الشاعر:
لقد اسمعت لو ناديت حيا
ولكن لا حياة لمن تنادي
وللحديث بقية..
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!