ترجمات عُضوُ الحضارة... والقارة المظلومة

السبت 9 ذو القعدة 1378 و.ر 16 من شهر التمور 2010 ف العدد 5322 الثقافي ترجماتعُضوُ الحضارة... والقارة المظلومة د. عمر لطفي العالمبعد المحاضرة المثيرة التي ألقاها شارلس دارون في مدينة فيينا في أثناء جولته العالمية حول «أصل الأنواع» في ثلاثينيات القرن ا

السبت 9 ذو القعدة 1378 و.ر 16 من شهر التمور 2010 ف العدد 5322

الثقافي

ترجمات
عُضوُ الحضارة... والقارة المظلومة

د. عمر لطفي العالم
بعد المحاضرة المثيرة التي ألقاها شارلس دارون في مدينة فيينا في أثناء جولته العالمية حول «أصل الأنواع» في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وأحدثت هزة في الأوساط المحافظة التي كانت لاتزال تؤمن بتعاليم الكتاب المقدس، ختم دارون حديثه بالقول «اذهبوا فابحثوا عن جدودكم الأولين في الأدغال».
قال دارون كلمته وانصرف، لكن دوامة البحث لم تتوقف، لأن المسألة باتت تتعلق بالذات، وبالصراع وهذا هو الأهم بين ما أوصى به الدين وما توصل إليه العلم الحديث، فلا المؤمنون زاغت قلوبهم فانفضوا عن ثلاثة آلاف سنة من السجود في المحاريب، ولاالمحدثون ملّوا فألقوا قفازاتهم من فرط الإبهام والتعقيد ، وإذا كان من غير السهل بل المستحيل الوقوف عند كل منحدر مما زعم هذا الفريق أو ذاك وما ردّ به الفريق الآخر ، فمن الواجب رسم الخطوط العريضة والعناوين الكبرى التي عمل تحتها المتهمون ، على سبيل تقديم فكرة ولو مقتضبة عن الجهود والمساعي التي بذلت على محاولات اكتشاف الأصل وإزالة الغموض عن الماضي السحيق .
بدأ البحث إديولوجياً صرفاً .. بدأ أولاً بإقناع العقل بأن كوكبنا الذي نعيش فيه لا الجنّة الموجودة في مكان ما من الكون الواسع الشاسع ، كان ولم يزل المصدر الرئيس لجميع اليقينيات حول النشأة والتطور والمصير ، ولأجل هذا أيضاً كان لابد من محو جميع الأفكار السابقة والحكايا والأساطير التي وقرت في أذهان العامة وحرصت الحلقات الدينية على زكائها وتعميق مفاهيمها حول الانسان غير الترابي الأول الذي أهبط من السماء إلى الأرض أو من جنة الخلد إلى دنيا الناس لمخالفته أمر ربه في قصة الشجرة الملعونة .
إنني لا أذكر - والأسى يملأ قلبي - أنني حنثتُ بيمين تحت ضغط المعتقد ، فتغاضيت في الترجمة عن العبادة التي صدّر بها (باول-لوث) كتابه »الإنسان ليس مصادفة» خوفاً ونزولاً على تفسير الآية الكريمة :(وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة .... الآية) .
قال المؤلف لوث ، وهو قسّ وطبيب وفيلسوف :«لاشيء هبط من السماء .. والجنة التي يتحدثون عنها موجودة في هذا الكوكب».
لكن كلماته هذه التي تقدم في الظاهر انطباعاً بأنه مروقٌ على الدين بحسب ما جاء في سفر التكوين من العهد القديم ، إنما أراد بها تفسير ما استغلق وجلْوَ ما أشكل من معاني الكتاب المقدس . ولمن لم يطلع على حركة الاستشراق وتاريخها فقد بدأت بداية دينية لغوية لشرح العقد اللغوية بالاستعانة ببنات العمومة السامية ومنها العربية .
الحق لم يقر لعيني قرار حتى قرأت مقابلة مع شيخ الأزهر السابق المرحوم د. سيد طنطاوي ، دافع فيها عن هذا الرأي وقال ما نصه : « إن الجنة المقصودة ليست جنة الخلد ، بل جنة وارفة سكنها آدم وزوجته . وأن الهبوط منها شبه بفعل الهبوط في الآية :« منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ..» بدّد كل شك في أن أصل الانسان من هذه الأرض ، وختم الشيخ طنطاوي قائلاً :« إن الدنيا ليست دار حساب» .
ومما يصب في الاعتقاد السابق أيضاً ما نشرته مجلة دير شبيجل من أن المصادر اللاهوتية دأبت حتى وقت متأخر من القرن الثامن عشر ، على ترديد أن الجنين في رحم الأم لايخلق بالوسائل الطبيعية المعروفة ، بل يوضع جاهزاً في البطن لحين ولادته .
لا غرض لنا من هذا العرض أن نقتنص الفرصة للتذكير بما كان للثقافة اليهودية في صدر الاسلام من أثر سيء على ما انبثق عن القرآن من علوم ، لكنها الضرورة تفرض نفسها أحياناً فلا تستطيع لها رداً .
فقد ذكر المسعودي في (مروج الذهب) :« وكان وهب بن منبه يجيد عدداً من اللغات القديمة ، إذ كان يتقن اليونانية والسريانية والحميرية ، كما كان يستطيع قراءة الكتابات القديمة التي يتعذر على العلماء قراءتها وفي ذلك يقول المسعودي في كتابه (مروج الذهب) نقلاً عن عثمان ابن مرّة الخولاني : لما ابتدأ الوليد ببناء مسجد دمشق وجد في حائط المسجد لوحاً من حجارة فيه كتابة باليونانية ، فعُرض على جماعة من أهل الكتاب فلم يقدروا على قراءته ، فتوجه به إلى وهب فقال : هذا مكتوب في أيام سليمان بن داوود عليهما السلام فقرأه .
وأورد المستشرق الانجليزي هاملتون جب شهادة مهمة جداً لأنها تتصل اتصالاً مباشراً بموضوعنا هذا : «وينسب إلى وهب كذلك «كتاب المبتدأ» الذي يشير عنوانه إلى ابتداء الخليقة . وهو الكتاب الذي اعتمد عليه أحمد بن محمد الثعلبي في كتابه «عرائس المجالس في قصص الأنبياء» . وقد اقتبس الطبري في تفسيره الكبير للقرآن كثيراً من أقوال وهب . هذا ويغلب على أخبار وهب طابع القصص الشعبي الخرافي. وقد عملت الإنتروبولوجيا الحديثة مع بقية علوم الطبيعة والسوسيولوجيا والحفريات جنباً إلى جنب ويداً بيد قادهم البحث إلى الصين وآسيا الكبرى والشرق الأوسط وإفريقيا وأوروبا . ولما كانت نظرية التطور تعتمد أساساً على مبدأ انطلاق الأحياء من الماء إلى اليابسة «وجعلنا من الماء كل شيء حي» .والتحول التدريجي عبر ملايين السنين من حالة الزحف الى وضع الوقوف على الساقين ، فقد تركز الجهد على المستحاثات (العظام المتكلسة) في محاولة لإعادة تركيب حيوان معين يشبه في تكوينه الانسان سُمى (الانسان القرد) لوجود عناصر مشتركة بينه وبين الانسان من بين الحيوانات الثديية كافة
في هذا التجوال الذي طاول الشرق والغرب والشمال والجنوب ، جمع الباحثون بجانب العلم والمعرفة قصصاً من شجاعة الباحثين وتفانيهم العلمي حتى أوشك بعضهم أن يذهب (أيدي سبأ) جراء مغامرته وإقدامه فقد حكوا أن العالم الفرنسي شى دوبوا زحف في ذات مرة في أحد كهوف جاوا، فلما بات على مقربة من نهاية الكهف، كاد السبع أن يأكله لولا تدخل معاونيه في الوقت المناسب.
أسفرت أعمال الحفر والتنقيب عن وجود عدد «تأنس» سموا بمناطقهم «إنسان بكنغ - إنسان جاوه - إنسان نياندرتالر، وإنسان آخر أهم ن هؤلاء جميعاً سنأتى على ذكره لأنه محور الموضوع».
وقد واجه الباحثون وجود الإنسان هذا في شتي القارات بفرضيات شتى تشبه في تناقضها وتضاربها الفرضيات التي قدمت في الإجابة عن النشوء من بين هذه النظريات انزلاق القارت وانتقال الإنسان من قارة إلى قارة، والهجرت، والتحول المفاجئ بعد تعذر الحصول على ما يسمى «الحلقة المفقودة» فمن بين المستحاثات التي تحتفظ بهما المتاحف الطبيعية اليوم، عظيمات الحوض والجماجم التي يعود تاريخ بعضها لملايين السنين وقد زعم الباحثون أن حجم الجمجمة وتضاريسها تخضع لحجم الدماغ، وأن دماغ الإنسان أثقل وزناً من أي «حيوان» آخر عدا الفيل لقد لاحظوا اتساعاً فجائياً في حوض أنثى القرد اقتضته ضرورة فسيولوجية لا مندوحة عنها لإسقاط الجنين الذي كبرت جمجمته بسبب زيادة وزن «عضو الحضارة» أى الدماغ ومن أعجب ما يلفت النظر في عمليات التكوين الأولى هذا التسلسل المنطقي، إذ وجد العشب أولاً، ثم الحيوان ، وأخيراً جاء الدور على الإنسان كي يتربع على قمة الهرم، ولم يكن العكس ممكناً أبداً، إلي ما سبق نضيف أن علماء الجهاز العصبي تحدثوا بتفاؤل عن وجود مناطق خالية في الدماغ وتساءلوا: ترى هل أراد عضو الحضارة من هذا ترك مساحة للمستقبل؟! على أية حال فإن دراسة الإنسان لم تقتصر على جانب واحد منه فحين حزموا أمرهم وقرروا أن «الإنسان القرد هذا» هو المقدمة للإنسان العاقل أو الذي يقف على قدميه HOMO ERECTUS ، ففقد تناولوه من جوانب أخرى أبرزها الجانب الاجتماعي إحدى أهم المؤشرات التي دلت على ذكاء ذلك «الحيوان» وعقلانيته أدواته التي استخدمها والرسوم المنقوشة على الصخر التي ترمز لشيء ما في محيطه وكانوا قد أجروا تحارب سابقة لاختبار ذكائه ففي قفصين منفصلين وضعوا «الإنسان القرد» وعلى مسافة منه كرسي، وعلقوا فوق رأسه موزة، فلما لم يطلها جلب الكرسي ووقف عليه، ثم إعادوا الكرّة هذه المرة وضعوا الموزة خارج القفص وإلى جانبه عصا مدّ يده لالتقاط الموزة فلما عجز تناول العصا وأدناها أعادوا المحاولة مع قرد آخر ولكن من فصيلة أخرى فلم تنجح.
في علم «مصطلح الحديث» يستخدم المتخصصون في المسافة الفاصلة بين الصحيح والموضوع من الحديث عبارة «حسن بنفسه وحسن بغيره» سأستعير هذه العبارة لأوظفها توظيفاً تعسفياً، لأنني لم أجد أفضل منها لتبرير هذا العرض الممل الطويل، الذي كان يمكن اختزاله في صفحتين اثنتين والدخول في لب الموضوع شفيعي في ذلك،أن النتيجة النهائية من هذا العرض لاتستغني عن المقدمات الأولى، وأن المعنى الأخير من الغوص في ثلاثة ملايين سنة من عمر الكون والتطور تنصهر كلها في جمجمة أصغر من كرة اليد، فذلك أمر يستحق كل هذا الصبر على الإطالة والإسهاب.
بدأ كل شيء بطفل في ربيع عمره الرابع، يوم عثر عليه مدفوناً منذ ثلاثة ملايين سنة، وقد أظهرت الجمجمة التي اكتشفت في شتاء سنة 1924م أن أفريقيا هي مهد البشرية دون شك، غير أن الباحثين تحيزوا فلم يكترثوا بذلك التاريخ بل لم يعيروه أدنى اهتمام طرحوا الجمجة جانباً بدعوى أنها جاءت من القارة الخطأ، وتحفظوا على الاكتشاف ربع قرن كامل، وكان لذلك أسبابه ودوافعه اعتبر إنسان «نياندرتالر» الذي تم اكتشافه في قرية بالقرب من مدينة دوسلدورف الألمانية سنة 1850 وسمى باسمها اعتبر أقدم إنسان عاقل في التاريخ.
وجدت الزعامة النازية في ذلك الاكتشاف على ترابها مفخرة للجنس الجرماني، وامتيازاً لا يجوز أن ينازعهم عليه أحد.. فما بالك إذا كان المتحدي أسودوفي الدرجة السفلى من سلم الارتقاء بحسب تصانيف العلماء أولي الدم الأزرق؟!
دلّ إنسان «هوموبيليس» أو الإنسان الذكي الملقب «صانع الادوات» أنه أقدم كائن يقدم برهاناً ساطعاً على ازدياد حجم الدماغ وقد انطبقت جميع أوصاف الإنسان الناطق لاسيما دهاليز الجمجمة الداخلية على تلك الجمجمة الطفولية التي ظفرت باللقب، إن الحصيلة المتوفرة اليوم تمسح زهاء 3.50 مليون سنة، وقد أظهرت النتائج التي شملت طبقات يصل عمرها إلى 2 مليون سنة، أن هذا هو الإنسان الأول وقد لخص توبياس في مذكراته الموقف الحضاري من الحدث فكتب:«أن الشيء الجوهري في الحضور البشري، أي الاستمرار، لايكون لا بنقل شيء من الجيل إلى الجيل الذي يلى وإن أنجع الوسائل التي طوّرها الإنسان على كوكبه حتى الآن ، ويمضي بتسليمها هي اللغة.
لقد صدّر إنسان هابيليس أسس استراتيجية البقاء فهنا في أفريقيا وجد أول انسان راق تعلّق باللغة وارتبط بالحضارة والثنائية هذه ترسم بدايات الإنسانية كما نعرفها اليوم كان تطوير اللغة مفتاح النمو المذهل للدماغ خلال مليوني سنة الماضية.
لقد غدت اللغة المنطوقة هيكلاً للمفاهيم العامة ومنشأ للمعارف للغاية من الماضي والمستقبل... لأجل مستويات السلوك، القوانين، المعرفة، المعتقد والدين... لقد صنعت اللغة من الهمج بشراً ولقد عشت في كل جزء من هذا العالم لكن إفريقيا حافظت على الجزء الغالي منه وهو البداية الأولى.. مهد الأنسانية أولاً يشكل ذلك امتيازاً لها؟!.

ضوءٌ يكشف أبعاد الحياة

تعريف قديم «وين السماء؟»
(أربعة)

قصص من التاريخ
عودة الأتراك برأس غومه

ترجمات
التقاليد العربية الإسلامية في الثقافة الأوروبية
الوجود العربي في صقلية روبرتا دينارو “Roberta Denaro”

المراكز الثقافية العربية والتصحر الثقافي

دراسة شاملة لمدينة سـرت الاثرية القديمة

إنه الدبلوماسي المثقف

.عرض
" دروب الحياة " رواية الزويك اليتيمة

الفقر والثقافة وأشياء أخرى

مذكرات بوبشير
عن ماوقع في الليلة الظلماء

الدولة العثمانية من إمارة إلى إمبراطورية

تنوير
وصمات أوروبية في سجل البشرية

بهجة الانتظار

مذكرات بوبشير
الابتداء : الواحد ربي
الحصلة في المنداف

روائع الأدب والنقد
تفجير اللغة الشعرية

الصفحة الرئيسية

الأخبار سياسة تقارير متابعات لقاءات تحقيقات المعلوماتي الإقتصادي الإجتماعي الثقافي التعليمي البيئة الصحة فنوان وأبداع إستطلاعات لقاء الإربعاء شمس اليقين رياضة أخيرة

مواقيت الصلاة

حسب توقيت مدينة طرابلس

السبت 16/10/2010

12:56 الظهر 16:05 العصر 18:37 المغرب 19:56 العشاء 05:48 فجر غداً 07:12 الشروق

حالة الطقس

34 طرابلس 38 بنغازي 36 سبها 35 مصراته
⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط