اكتشاف ثماني طبقات استيطانية وأساسات لمسجدين تاريخيين فوق حصن قديم في موقع جرش الأثري

اكتشاف ثماني طبقات استيطانية وأساسات لمسجدين تاريخيين فوق حصن قديم في موقع جرش الأثري

تتيح لك زيارة مركز موقع جرش الأثري في محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير فرصة حية لاستكشاف تفاصيل مدينة شكلت محطة رئيسية للتجارة والحج في جنوب الجزيرة العربية، إلى جانب الاطلاع على أحدث ما أسفرت عنه أعمال التنقيب.

وتفصيلاً، تبدأ رحلة الزائر داخل أروقة المركز بمرافقة طاقم من المرشدين والمرشدات الثقافيين المؤهلين، عبر ست محطات تعريفية متتابعة توظف وسائل عرض متنوعة تشمل لوحات الجرافيكس، والأفلام التلفزيونية الوثائقية، والمجسمات المعمارية الدقيقة، بالإضافة إلى القطع الأثرية المستخرجة من الموقع الذي يمتد تاريخه إلى الألف الأول قبل الميلاد.

في سياق ذي صلة، تواصل هيئة التراث جهودها في توثيق تاريخ المنطقة من خلال مواسم التنقيب المستمرة التي تكشف تباعاً عن مكتشفات معمارية وأثرية، لتعزيز فهم الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية للمدينة كنقطة تواصل وتفاعل مستمر بين السكان المحليين وقوافل التجارة العابرة على مسار طريق البخور وطريق التجارة القديم.

توثيق مرئي وعمق استيطاني لمدينة جُرش الأثرية

في خطوة حديثة لتعزيز التجربة الثقافية للمكان، أصدرت وكالة الأنباء السعودية في أواخر يوليو 2026 مقطع فيديو توثيقي مخصص عبر قناتها الرسمية على يوتيوب بالتزامن مع تقريرها، حيث تهدف هذه الخطوة إلى النقل المرئي الدقيق لتفاصيل موقع جرش الأثري والمحطات التعريفية التي يعيشها السائح داخل مركز الزوار. وكالة الأنباء السعودية (واس)

وعلى صعيد التكوين الجغرافي والتاريخي للموقع، توثق الموسوعة السعودية أن مدينة جرش تضم 8 طبقات استيطانية متتالية يعود أقدمها إلى مطلع القرن الأول الميلادي، وهو الأمر الذي يفسر التنوع الكبير للمكتشفات المعروضة في المركز، ومن ثم يؤكد دور المدينة كمركز اقتصادي وصناعي بارز على طريق الحج والتجارة القديم. وكالة الأنباء السعودية (واس)

المكتشفات الأثرية وتقنيات العرض الحديثة

صورة تبرز عرضاً متحفياً حديثاً يضم قطعاً أثرية من جرش كالفخاريات والزجاج الملون مع تقنية عرض هولوغرام بانورامية ثلاثية الأبعاد.
توظيف التقنيات الحديثة في مركز زوار جرش لعرض المكتشفات الأثرية بدقة وجمالية.

تخصص إحدى محطات المركز مساحة للقى الأثرية المحفوظة بعناية داخل واجهات زجاجية، لإتاحة الفرصة للزوار لمعاينتها عن قرب واستكشاف تفاصيلها الدقيقة، في حين تتضمن المعروضات تشكيلة من المعادن، والزجاج الملون، والفخاريات، والمصنوعات الحجرية المتنوعة، بينما تشير المعلومات التوضيحية المرفقة إلى الطريقة التي وظف بها سكان جرش الموارد البيئية، إذ اعتمدوا على وفرة الصخور المحيطة واستخدموها كمادة رئيسية في أعمال تشييد المباني، وصناعة الرحى، والأواني، والسرج، ومختلف الأدوات المنزلية.

ومن جانب آخر، تعكس المعروضات التقدم الذي حققته المدينة في قطاع الصناعات المعدنية، حيث كشفت التنقيبات عن قطع نقدية معدنية، وحلي، ومسامير، وأوانٍ متنوعة، وفي السياق نفسه، تأخذ محطة "المكتشفات الأثرية في جرش" الزوار في جولة بانورامية بتقنية 360 درجة، تستعرض أبرز المعالم المعمارية والتاريخية في الموقع الميداني، والتي تشمل الحصن، والمنشآت المائية القديمة، والمسجدين المكتشفين، إلى جانب استعراض الرسومات الصخرية والكتابات القديمة المحفورة في المنطقة.

حصيلة مواسم التنقيب الأثري المستمرة

إنفوجرافيك مقارن يوضح نتائج التنقيب في موقع جرش، يبرز الموسم الخامس عشر الذي كشف عن بئر مائية والموسم السابع عشر الذي أظهر وحدات سكنية ونقوشاً كوفية.
تسلسل زمني يبرز أهم المكتشفات المعمارية والأثرية خلال مواسم التنقيب الأخيرة في موقع جرش الأثري.

أثمرت أعمال التنقيب التي باشرتها هيئة التراث على مدى أكثر من ثلاثة عقود، عن اكتشافات توثق تعاقب الفترات الزمنية للمدينة، ويتمثل ذلك في الكشف عن أساسات مسجدين يرجعان إلى فترة إسلامية مبكرة كأهم تلك النتائج، حيث بُنيا جغرافياً وهندسياً فوق أساسات حصن قديم يعود تاريخه إلى فترة ما قبل الإسلام، بناءً على ذلك يستعرض الجدول التالي تسلسلاً لأحدث نتائج الموسمين الأخيرين:

الموسم / الفترة الزمنية تفاصيل المكتشفات المعمارية والأثرية
الموسم الخامس عشر (عام 2023م) الكشف عن بئر مائية قديمة شُيدت باستخدام الحجارة والطين، وتتصل بها قنوات حجرية صُممت لتوزيع المياه على الوحدات السكنية المجاورة، مما يدل على امتلاك المدينة نظاماً متطوراً لإدارة وتوزيع المياه.
الموسم السابع عشر (أبريل الماضي) اكتشاف وحدات سكنية شرق المسجد تعود لفترتين مختلفتين، شُيدت بالحجارة المهذبة ومونة الطين، وتضم غرفها مستودعات للحبوب وأفراناً فخارية للطبخ، وشاهداً حجرياً يحمل نصين بالخط الكوفي، أحدهما مؤرخ بيوم الخميس 17 رمضان 311هـ.

كما أسفر الموسم السابع عشر عن مجموعة من الأدوات الحجرية المخصصة للاستخدام اليومي، تضمنت أجزاء من مدقات، ومساحن، وقطع رحى متعددة الأشكال والأحجام، في حين شملت المكتشفات أيضاً أواني مصنوعة من الفخار العادي والمزجج، وقطعاً زجاجية، وأخرى منحوتة من الأحجار الصابونية.

توثيق التراث العمراني والصناعات الحرفية

يمتد العرض داخل المركز ليوثق التراث العمراني الأوسع في منطقة عسير، من خلال فيلم قصير يقدم مقارنة معمارية بين أنماط البناء الجبلي والبناء الطيني، ويستعرض نماذج حقيقية من القرى التراثية، زد على ذلك تسليط العرض الضوء على فن القط العسيري، مبرزاً قيمته كأحد عناصر التراث الثقافي غير المادي المسجل رسمياً في قائمة اليونسكو.

إلى ذلك، يقف الزائر في المحطة الختامية أمام إرث الحرف اليدوية والصناعات المحلية التي اشتهرت بها مدينة جرش ومنطقة عسير عموماً، والتي شكلت رافداً لاقتصادها القديم، وتتضمن هذه الصناعات بحسب العرض:

  • المشغولات الجلدية المتنوعة، والتي عُرفت تاريخياً ووثقتها المصادر باسم "أديم جرشي".
  • الصناعات الفخارية ومصانع الدباغة التي شكلت جزءاً من الحياة اليومية للسكان.
  • المنتجات المعدنية التي شملت تصنيع الأسلحة التقليدية، والأواني، والمجوهرات، والحلي.
  • الصناعات الحربية والعسكرية التي ساهمت في تحصين المدينة، ومن أبرزها صناعة المنجنيق والعرادات.

الجغرافيا والموقع والنقوش الصخرية

تتوسط أطلال مدينة جرش محافظة أحد رفيدة، وتقع على مسافة تبعد نحو 30 كيلومتراً شرق مدينة أبها، بينما تحظى المدينة بموقع محصن طبيعياً، حيث يحيط بها جبل "حمومة" من الجهة الشرقية، وجبل "شَكَر" من الجهة الغربية، مما أدى إلى انعكاس طبيعة استقرارها عبر التاريخ بوصفها مدينة زراعية وصناعية ذات تحصين قوي.

كذلك، يحتضن الموقع نقشاً صخرياً نُفذ بأسلوب الحفر البارز، يصور مشهداً لأسد ينقض على ثور، حيث ذُيّل النقش بعبارة مكتوبة بخط المسند تقرأ: "ثورن نعمن وأسدن ملقا"، ويعود تاريخ هذا التوثيق الصخري إلى القرن الأول الميلادي، ليشكل أثراً مادياً على طبيعة الحياة ومظاهر القوة في تلك الحقبة الزمنية.

ومن الجدير بالذكر أن مركز زوار جرش يوفر محتواه التعريفي والإرشادي باللغتين العربية والإنجليزية، كما يقدم خدمات مساندة ولوجستية للزوار تشمل الكراسي المتحركة والمظلات لتسهيل الجولات الميدانية، ومن ثم يسهم هذا التكامل بين الشواهد الميدانية للموقع الأثري والمعلومات المقدمة في المركز في ترسيخ مكانة جرش كوجهة ثقافية وسياحية رئيسية في جنوب الجزيرة العربية.

⭐ قيّم هذا الدليل
رأيك يساعد غيرك — اختر تقييمك:
ما رأيك في المقال؟

💬 النقاش

💬

لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!

💬 شاركنا رأيك

التعليقات بالعربية فقط · بدون روابط
📬
تأكّد من كتابة بريدك الإلكتروني بشكل صحيحسيصلك إشعار فور الموافقة على تعليقك أو الرد عليه — بريدك خاصّ ولن يُنشر أو يُشارَك مع أحد. 🔒