سجلت السوق العقارية في المملكة العربية السعودية تراجعاً في مبيعات المنازل بنسبة 50% خلال الربع الأول من العام الجاري 2026، وبحسب تقرير نشره موقع "أرابيان بزنس" (Arabian Business)، كان التباطؤ أكثر حدة في العاصمة الرياض، التي شهدت انخفاضاً في أحجام وقيم الصفقات بنسبة 82% على أساس سنوي.
كذلك، سجلت مدن جدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة، فضلاً عن حاضرة الدمام، نشاطاً أقل وتيرة خلال الربع ذاته.
تحديات الصفقات السكنية السعودية
حجم التداولات وتوريق القروض
شهدت أحجام الصفقات السكنية في السعودية هبوطاً حاداً لتصل إلى 29.49 ألف صفقة خلال الربع الأول من عام ، وانعكس ذلك على قيم التداولات التي تراجعت بنسبة 57% لتستقر عند 22 مليار ريال سعودي. Maaal
وفي محاولة لمعالجة تباطؤ التمويل والرهون العقارية، تقترب السوق المالية من إقرار تنظيمات لتوريق الرهن العقاري بعد طرح "تداول السعودية" مسودة تعديلات تتيح للمنشآت ذات الأغراض الخاصة إصدار وإدراج أدوات دين، مما يمهّد لتحرير سيولة تقارب التريليون ريال. Aleqt
ومن جانبه، قال فيصل دوراني (Faisal Durrani)، الشريك ورئيس قسم الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA): "كما هو متوقع، أضاف الصراع الإقليمي إلى ثقل العوامل التي تساهم في تباطؤ نشاط مبيعات المساكن والذي كان واضحاً قبل وقت طويل من بدء الصراع الإقليمي.
"إن الاعتدال في نشاط الصفقات السكنية يعكس ضغوط القدرة على تحمل التكاليف الراسخة، لا سيما في الرياض، بدلاً من ضعف الطلب الأساسي، والواقع أن توقعاتنا تظهر الحاجة إلى أكثر من 830,000 منزل في جميع أنحاء المملكة بحلول عام 2030 لعدد السكان السعوديين المتزايد وحده، ويتمثل التحدي اليوم في بناء مساكن بأسعار مناسبة.
"وبشكل منفصل، من المرجح جداً أن الصراع الإقليمي قد زاد من التوتر بين المشترين المحتملين الذين لا يرغبون في تقديم ما يُرجح أن يكون التزامهم المالي الأكبر خلال وقت يتسم بارتفاع حالة عدم اليقين الجيوسياسي الإقليمي، وبالنسبة لبعض الأسر، فإن احتمالية الحصول على 'صفقة أفضل' في حال تراجعت الأسعار نتيجة للصراع تعد أيضاً اعتباراً مهماً آخر."
استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع الرهن العقاري
رغم انخفاض نشاط الصفقات، واصلت القيم السكنية ارتفاعها في معظم المدن السعودية الكبرى.
ووفقاً لبيانات شركة "نايت فرانك" (Knight Frank)، سجلت الأسعار التحركات الموضحة في الجدول التالي:
| المدينة | نوع العقار | نسبة الارتفاع (على أساس سنوي) |
|---|---|---|
| الرياض | شقق | 6.3% |
| الرياض | فلل | 4.9% |
| جدة | شقق | 2.0% |
| حاضرة الدمام | شقق | 2.3% |
كما أوضحت "نايت فرانك" أن هذه الزيادات تعكس مرونة التسعير خلال شهري يناير وفبراير، حيث لم ينعكس التأثير الكامل للصراع الإقليمي بعد في بيانات الصفقات الإجمالية.
وفي سياق متصل، تزامن التباطؤ في القطاع السكني مع ضعف ملحوظ في نشاط الرهن العقاري، حيث انخفضت عقود الرهن العقاري السكني الجديدة بنسبة 25% على أساس سنوي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، بينما تراجعت القيمة الإجمالية للإقراض العقاري بنسبة 34%.
وأضافت الشركة أن ضغوط القدرة على تحمل التكاليف تظل تحدياً رئيسياً، خصوصاً في الرياض، نظراً لأن النمو السريع في الأسعار تجاوز مستويات دخل الأسر.
البرامج الحكومية وتدفق المعروض السكني
تحتفظ أساسيات الإسكان في المملكة بنظرة إيجابية على المدى الطويل، على الرغم من التباطؤ الحالي.
فقد ارتفعت نسبة تملك المنازل من 47% في عام 2016 إلى أكثر من 66% في عام 2025، مدعومة بالمبادرات الحكومية الفاعلة التي تشمل برنامج "سكني" (Sakani)، ومنصة "توازن" (Tawazon)، إلى جانب برامج التطوير السكني التابعة للشركة الوطنية للإسكان (National Housing Company).
وفي هذا السياق، قال دوراني: "أدى إطلاق منصة توازن إلى توليد طلب كبير على قطع الأراضي السكنية المخططة والمخدومة في الرياض، مع تحديد سقف للأسعار عند 1,500 ريال سعودي للمتر المربع، وقد صُممت المبادرة خصيصاً لمعالجة تحديات القدرة على تحمل تكاليف الإسكان من خلال توسيع نطاق الوصول إلى الأراضي منخفضة التكلفة، وتزويد الأسر السعودية بمسار بديل لتملك المنازل، ودعم الهدف الأوسع للحكومة المتمثل في زيادة إمكانية الحصول على الإسكان في جميع أنحاء العاصمة".
ومن جهة أخرى، تواصل الشركة الوطنية للإسكان جهودها لتعزيز المعروض السكني عبر مناطق المملكة من خلال تطوير مجتمعات ضخمة متكاملة.
وعلى صعيد المرحلة المقبلة، تشير توقعات "نايت فرانك" إلى ارتفاع المخزون السكني في الرياض من نحو 2.7 مليون وحدة في عام 2025 إلى أكثر من 3.3 مليون وحدة بحلول عام 2030، كما يُتوقع أن يصل المخزون السكني في جدة إلى 1.47 مليون وحدة، وأن يقارب المعروض في حاضرة الدمام المليون وحدة خلال الفترة ذاتها.
تنظيمات الملكية الأجنبية وتعزيز الاستثمار
توقعت "نايت فرانك" أن يسهم الإطار التنظيمي المتطور في المملكة في دعم النمو طويل الأجل للقطاع العقاري.
ويُعد نظام تملك غير السعوديين للعقار (Law of Real Estate Ownership by Non-Saudis) المحدث، والذي دخل حيز التنفيذ في 22 فبراير 2026، خطوة رئيسية نحو فتح السوق العقارية أمام رأس المال الدولي.
وتعليقاً على ذلك، قالت سوزان عماوي (Susan Amawi)، المدير العام في المملكة العربية السعودية (KSA): "يواصل سوق العقارات في المملكة العربية السعودية الاستفادة من أحد أكثر برامج الإصلاح الاقتصادي والتنظيمي طموحاً في العالم، إن تقديم إطار الملكية المحدث لغير المقيمين الدوليين، إلى جانب التدابير الرامية إلى تعزيز القدرة على تحمل التكاليف واستقرار السوق، يوضح التزام الحكومة بإنشاء قطاع عقاري أكثر شفافية ويسهل الوصول إليه وقادر على المنافسة دولياً، ومن المتوقع أن تعزز هذه الإصلاحات ثقة المستثمرين وتدعم تدفقات رأس المال على المدى الطويل عبر كل من العقارات السكنية والتجارية.
"كما يُتوقع أن يؤثر التجميد الذي أعلنته الحكومة مؤخراً لمدة خمس سنوات على الزيادات في الإيجارات السكنية والتجارية داخل الرياض على ديناميكيات السوق، وقد صُممت هذه التدابير لتشجيع التطوير، وتحسين القدرة على تحمل التكاليف، ودعم السكان والشركات الذين يواجهون ارتفاعاً في تكاليف الإشغال".
أداء قوي لقطاع المكاتب في الرياض
حافظ قطاع المكاتب في المملكة على أداء قوي خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك في مقابل التباطؤ السكني.
إذ سجلت إيجارات المكاتب من الفئة (أ) في العاصمة الرياض ارتفاعاً بنسبة 2.5% على أساس سنوي، لتبلغ 2,770 ريالاً للمتر المربع، مع استقرار مستويات الإشغال عند 97%.
ويأتي هذا الطلب المستمر مدفوعاً بتأسيس الشركات متعددة الجنسيات لمقراتها الإقليمية في المملكة، فضلاً عن نمو شركات الخدمات المهنية والتقنية والمستأجرين من القطاع الخاص.
وفي هذا الشأن، قال هارمن دي يونغ (Harmen De Jong)، الشريك الإقليمي ورئيس قسم الاستشارات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "لا يزال الطلب مدفوعاً بالشركات متعددة الجنسيات التي تؤسس مقراتها الإقليمية في المملكة، إلى جانب متطلبات التوسع من شركات الخدمات المهنية، وشركات التكنولوجيا، وغيرهم من المستأجرين في القطاع الخاص.
"وبينما يظل نشاط التأجير صحياً، أصبح المستأجرون أكثر انتقائية، حيث باتت المتطلبات بشكل عام أصغر حجماً وتستغرق الصفقات وقتاً أطول للاكتمال، وفي العديد من الحالات، تُقاد قرارات التأجير بشكل مباشر من قبل أصحاب الأعمال وكبار صناع القرار بدلاً من فرق العقارات المتخصصة في الشركات، مما يؤدي إلى عملية تأجير أقل تنظيماً وأكثر تروياً.
"ومع ذلك، يواصل قطاع المكاتب الاستفادة من نجاح برنامج المقرات الإقليمية (Regional HQ Programme)، والذي جذب أكثر من 700 شركة متعددة الجنسيات لتأسيس مقرات إقليمية لها في المملكة، وهو ما يتجاوز بكثير الهدف الأصلي لرؤية 2030 (Vision 2030) المتمثل في 500 شركة".
نمو التراخيص الأجنبية وتحديات البناء
شهد الربع الأول تعزيزاً في نشاط الاستثمار الأجنبي، حيث ارتفع عدد تراخيص الاستثمار الأجنبي المصدرة من 4,615 ترخيصاً في الربع الأول من عام 2025 إلى 5,516 ترخيصاً في الربع الأول من عام 2026.
وامتداداً لذلك، توقعت "نايت فرانك" نمو مساحات المكاتب في الرياض من نحو 6 ملايين متر مربع في عام 2025 إلى أكثر من 10.6 مليون متر مربع بحلول عام 2032.
غير أن الشركة الاستشارية حذرت من تحديات إضافية تواجه المطورين العقاريين، نظراً لتسجيل تكاليف البناء ارتفاعاً بمتوسط يتجاوز 20% منذ بداية العام، وسط احتمالات بتأخر تسليم المشاريع نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والوقود واضطرابات سلاسل الإمداد.
وحول هذه الديناميكيات، قال عمار حسين (Amar Hussain)، الشريك المساعد في قسم الأبحاث في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: "لا يزال طلب المستأجرين قوياً بشكل استثنائي، مدعوماً ببرنامج المقرات الإقليمية، وتزايد نشاط الاستثمار الدولي، والتنويع الاقتصادي المستمر، وفي حين أن المعروض المكتبي الجديد سيعمل تدريجياً على تحسين خيارات المستأجرين، فإن الطلب على المساحات المكتبية عالية الجودة يظل متيناً، وإن كانت المتطلبات الأكبر قد تم إيقافها مؤقتاً من قبل المستأجرين بسبب حالة عدم اليقين التي تحركها الأحداث الجارية.
"وبشكل منفصل، يبرز قطار الرياض (Riyadh Metro) أيضاً كعامل متزايد الأهمية في عملية اتخاذ القرار لدى المستأجرين، مما يعزز الترابط بين مناطق الأعمال الرئيسية ويدعم نمو المراكز التجارية الجديدة في جميع أنحاء العاصمة".
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!