الإربعاء 3 محرم 1378 و.ر 8 من شهر الكانون 2010 ف العدد 5366
الثقافي
أدب الحرب والمعرفة الاستعمارية
(الحلقة ا لثانية)
* محمود أحمد الديك
ومن بين الأناشيد التي كان يرددها الجنود الايطاليين أثناء عمليات الغزو وقصفهم للسكان الآمنين:
«لقد استيقظت ليبيا على ضربات أجنحة النسر الروماني،
إن النصب التذكارية للقياصرة السابقين تشع نوراً غامضاً،
ويطل المريخ من السماء في ظلمات الليل بأشعة بلون الدم الأحمر القاني،
وتومض أعمدة»الكورنثيين» المتساقطة على الرمال كالثلج،
والأطراف البيضاء للتماثيل المحطمة تومض وميضا غامضا،
بعد ألف سنة يتردد الصدى: لقد نزلت الفرق الرومانية،
وفي قبور الجنود القدامى وسط أعشاب الواحة،
يتردد الهمس المكتوم، بينما الأعلام الرومانية تتقدم،
وهنالك على الشاطئ عند لبده يهمس،
الصيادون لبعضهم بعضا باسم روما العظيمة.
لا شك أن الشاعر كان عارفا بتاريخ وملاحم وأمجاد روما التي خاضتها في حروبها في منطقة حوض المتوسط وفي أوربا، وقد استوحى أفكاره من الآثار وعظمتها في التعبير عما يجيش في خاطره وربطه بالمستعمرة الجديدة. وعندما استعصت المقاومة المسلحة الليبية على الإيطاليين رغم استخدامهم للمدافع الثقيلة التي تقصف من البوارج الحربية، نجد القوات الإيطالية قد استعانت بسلاح الطيران الذي استخدم لأول مرة في تاريخ العالم، والقصد من وراء استعمال هذا النوع الجديد من السلاح، استثارة خيال الإيطاليين والرفع من معنوياتهم المنهارة أمام صلابة وشدة المقاومة الغير متوقعة. ولم يدخر الشعراء والأدباء وسعاً، وهم يتبارون في الإشادة بهذا الاختراع الذي يتوقع منه إحداث تغيير كبير في مجرى العمليات العسكرية لصالح القوات الإيطالية، التي تسرب إليها اليأس والأحباط، وذلك من خلال سلسلة من الأهازيج والأناشيد. وهذه أهزوجة من تأليف أحد زجالين روما، دبشت باللهجة الرومانية الصميمة :
«ماذا أرى؟ طائر غريب يتلاشى في مهب الريح.
تسقط من بين جناحيه الأبيضين الرفيعين.
قنبلة تخصه فينتابه الفزع....
تنفجر القنبلة، فيستبد به الذعر من هذا الاختراع الجديد...
يقتنع بأن سلاحه القديم أصبح الآن عديم الفائدة.
فيركع، هاتفاً : ايطاليا، ما أعظمك!.
وقام الزجال الملقب ب»سور كاباتا» بنظم أنشودة يشيد بهذا الحدث:
«يوم حلقت طائرة.
أحدثت في المخيم التركي اضطرابا.
بدا للجميع كأنه طائر غريب، يشع في شكله.
وعدم تناسق جسمه.
وعندما لاحظ السلطان على قومه.
علامات الذعر، حاول تهدئتهم.
وها هو داننونتنزيو يدلي بدلوه:
«يرتفع إلى عنان السماء صفير مقلاع يمرق كالسهم عبر الأجواء نسر شاحب اللون:
انه جوليو قافوتي، يحتضن قنبلته ويغار عليها.
وكما يقذف الحائك بمكوكه
أو رامي المقلاع بحجره،
اقذف أنت بقنبلتك.
الآن وقد غطى جناحك مشاهديه المذعورين!
القها بعد شحنها بحماسك ومشاعرك الملتهبة.
فالهدف أمامك اضربه!.
حاول الشاعر جاهداً في لغة من الكبرياء وصف الطائرة الغريبة وهي تبث الفزع والخوف عند الأهالي، وهم يتلقون القنابل التي ترمي بحممها دون تمييز، واعتبر الأشلاء التي تمزقها النيران هو عقاب وخضوع للقدرة والإرادة في قهرهم. لقد ألهبت الحرب قريحة الشعراء من نشوة الانتصارات العسكرية السهلة على مجموعات بسيطة من المجاهدين متجاهلين الخسائر في صفوف القوات الإيطالية وانكسار الروح المعنوية للجنود الذين يفرون من المعارك ويتباكون على سوء حظهم العاثر الذي ألقى بهم في جحيم هذه الأرض.
ومن اكثر القوميين الإيطاليين حماسة للحرب جوفاني جوليتي، فقد اشاد بقوة ايطاليا العسكرية، بقوله : «إن ايطاليا تتخذ اليوم أمام أعيننا شكل وقوة سفينة مدرعة جميلة تحيط بها جزر من النسافات ونعتز بشعورنا في تساوي حماسنا للحرب الذي يلهب كل البلاد الإيطالية.. التي اصبحت تعمل على تضخيم طموحاتها الوطنية وازدراء الاتهامات السخيفة بالقرصنة ونعلن عن ولادة الجامعة الايطالية. شعراء ورسامون ونحاتون وموسيقيون من مستقبلية ايطاليا». ثم يستطرد بقوله أن العبقرية الحمراء التي نسجت من سيمنفونية أسلحة «شرانبلس» والنحت الجنوني الذي تقوم به المدفعية الملهمة في صفوف الأعداء، هذا الحماس كان يخاطب الشباب الإيطالي الذين يقاتلون ويتعبرهم يمثلون الضمير الوطني، وهو يطالب بأن تصبح الحرب قيمة وتربية مستقبلية قائمة على البطولة وحبل السبق والغرام بالمخاطر والمغامرة التي تشد من قوة العضلات وتشجيع الرياضات العنيفة التي كانت تمارس في الهواء الطلق (العدون والملاكمة والعاب الحرب)، التي كان يمارسها اجدادهم الرومان القدماء.
فالشعراء كانوا يعيشون في وهم وخداع التقارير العسكرية المزيفة والتي تدعي بقرب انتهاء المعارك وأن النزهة المتوقعة لن يطول مداها، لذا تزاحم المنشدون والمغنون في نبرة من الحماسة والبهجة نورد منها قصيدة طرابلس أرض الحب الجميلة:
طرابلس يا أرض الحب الجميلة.
هل تعرف أين لنسيم الشمس سحرا أكبر؟
فوق البحر الذي يربطنا بأفريقيا الذهبية...
إن نجمة ترشدنا إلى كنز
طرابلس، أرض الحب الجميلة.
تصلك قصيدتي الحلوة هذه
فليخفق العلم المثلث الألوان على أبراجك
على دوي المدافع....
امخري أيتها البارجة عباب البحر،
فالريح لطيفة والفصل حلو....
طرابلس، أيتها الأرض الساحرة
ستصبحين ايطالية وسط دوي المدافع.
يستخلص من هذه الأبيات انبهار الشاعر بخيال مصطنع في وصف طرابلس كأنها جنات الخلد، التي هي من حق المستعمرين، وإن إخضاعها لا يتم إلا بإحراز النصر الساحق.
لقد كتب الشعر مارنيتي البرجوازي الصغير مشاعره الفرحة حين كانت الرشاشات والطائرات والمدافع تقصف العرب في ابومليانة، فجاءت كلماته وخطبه التي توصف بالجيدة والتي يهدف من وراءها نيل الشهرة العالمية، فقد تغنى بالرشاشة ووصفها بالمرأة الجميلة، ووصف الجياد المخصصة لجر المدافع : «ذات المظهر التمثالي والصدر الواسع والظهر المربع والعيون الجميلة الصقلية «التي» كان صهيلها الابي السردانيوني (نسبة لسردينيا) يحاول ان يطلق اللكمة العظمى : ايطاليا- ايطاليا!».
وشكلت الحركة المستقبلية التي كانت تطبل لأهمية الحرب مرجعية من ثقافة الكنائس والمنتديات الأدبية والفنية، وجاءت لتؤثر في نفسية الجماهير وبصورة خاصة الشباب والبرجوازية المتوسطة والصغيرة بالمدن، مستغلين قلق الأجيال الجديدة الذين كانت تستهويهم اسطورة التقدم التقني.
وقد حددت الحرب الليبية ظروف واجواء مفعمة من الشوفنيين دعاة الأدب، فالصحف والمجلات ومئات جرائد الأقاليم قد غزتها الأشعار التي تشيد بالبلاد (طرابلس ، يا ارض الحب الجميلة) وهي الأنشودة الشعبية التي نظمتها «جياديلا قاريزندة» فقد وضعت المشاكل والصعوبات جانبا وتوجب الغناء من أجل طرابلس ومن أجل الحرب.
ولعل أكثر هذه المواضيع انتشارا وشيوعا هو موضوع الجندي الايطالي الذ يموت ببطولة في الصحراء الليبية والذي أوجد أسطورة الأم التي لا تبكي أبنها الشريع ولكن تفاخر بموته. وقد اصابت هذه العدوى الشاعرة (ادا نيقري) التي عرفت باثارتها لمآسي ومشاكل عالم العمال ومواضيع التضامن الانسان فانشدت :
لا أبكي. هذا هو المجد! يا ابني
لا أبكي كلا. هذا هو المجد
امهات كثيرة تملك الآن قلبي
المتحجر ووجهي المحتضر
يسكتن. هكذا أراد الوطن وهكذا يكون
(...) الانتحاب بصوت يائس
على الابن الميت لن يكون هناك من يسمعه :
لأنه أمام المجد مستمر إلى حب الامومة
كما لو كان على صليب.
ففي كل مكان يحتفل الشعر بالموت الجميل الذي يثير الحسد في الاحياء لانه يخلق حول القتيل هالة من المجد للتضحية السامية في سبيل الوطن.
وهكذا يشيد جوزبي ليباريني باول بحار سقط في طرابلس :
أنا الاول الذي قدم دمعه للعمل البطولي، أن اسمي
لن يذكر : لقد نزلت لغزو البحر.
يرقد معي في الرمال القاحلة الرفقاء
القادمون من رؤوس الجبال ومن السهول الضاحكة
يرقدون وعيونهم في اتجاه ايطاليا : أنهم ألف ربما!
غير أن الكل يحسدني هذا المصير : لانني أنا كنت الضحية الاول وأول بطل.
وقد أصابت عدوى هذا الشعر الوطني كل شيء حتى عالم الاطفال وقع تحت مطارق هذا الشعر المتكرر وكانت صحيفة المراسل الصغير أكثر انتشارا بين الأولاد التي جسدت شخصية جان سائينا الذي يرمز للجندي الايطالي الشجاع والماهر والماكر الذي يرسم صورة سذاجة العرب ليحقق عمليات باهرة مسلية، وقد حولت الحرب الأسلحة والجنود في اشكال دمي تمثل جنود المقاومة وهم صرعى والبحارة الإيطاليين في نشوة الانتصار ويحملون العلم الايطالي.
مذكرات بوبشير
يوم (نسعدو) من شهر القصير
كتاب في جريدة .. الوليد الجديد للشمس
مقاطع من أدب الحرب والمعرفة الاستعمارية
(الحلقة الرابعة و الأخيرة)
مذكرات بوبشير
ثلاثة من شهر المنسي الأول من عام الهجة
كل عويد ودخانه!
أحمد السيفاو ذلك الشاعر الفوتوغرافي الكبير
اقتدوا بالهداية .. يهديكم الله
مذكرات بوبشير
29 من تويبع الميلود عام الهجة « قبل الميلاد بسنتين »
وأنتم الأعلون
تكريم شيخ الأدباء علي مصطفى المصراتي
وقدات
الجاحظ وأثره في الأدب العربي
مواقيت الصلاة
حسب توقيت مدينة طرابلس
الإربعاء 08/12/2010
13:02 الظهر 15:42 العصر 18:04 المغرب 19:30 العشاء 06:28 فجر غداً 07:58 الشروقحالة الطقس
16 طرابلس 19 بنغازي 19 سبها 20 مصراته
💬 النقاش
لا توجد مشاركات بعد. كن أول من يشارك!